محمد أبو زهرة

165

المعجزة الكبرى القرآن

الكاف في موضع الضمير ، ونحن نميل إلى أنها ليست زائدة ، لتأكيد الكلام ، وليست حرفا ، ولكنها اسم بمعنى أنفسكم ويكون تأويل القول على هذا أرأيت أنفسكم ، وجمع ليشمل كل الناس ، وكل المخاطبين ، وعلى هذا التأويل يكون المعنى أرأيت أيها النبي الناس ، وقد صاروا عرضة لعذاب يعم الجميع أم يخص الظالمين الذين ظلموا أنفسهم وظلموا الناس وظلموا العقل فضلوا وأضلوا كثيرا ، وأفسدوا في الأرض واللّه لا يحب الفساد . الأمر الثاني : أن قوله تعالى : هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ فيه استفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع ، والمعنى لا يهلك إلا القوم الظالمون ، واقتران الكلام بالوصف يدل على سبب استحقاق الهلاك ، وهو الظلم ، فبظلم منهم هلكوا ، وكان ذلك تأكيدا للنفي بذكر السبب في أنهم اختصوا بالهلاك . ومن هذا النوع في الاستفهام الذي اقترن بتاء الخطاب والكاف ، وكان كلاهما بالمفرد قوله تعالى : قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ( 62 ) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) [ الإسراء : 62 ، 63 ] . واللّه سبحانه وتعالى يحكى عن إبليس اللعين وهو يخاطب رب العالمين والاستفهام لتقرير الواقع ، لا لنفيه ، والكاف على قول الزمخشري هي تأكيد لمعنى التأكيد ، ونحن نرجح ذلك ؛ لأن التاء مفرد والكاف مفرد ، وهو تأكيد لفظي يتوافق فيه المؤكّد مع المؤكّد في الإفراد والجمع ، أما الاستفهام السابق فمعنى التأكيد فيه بعيد ، للتخالف في الإفراد والجمع ، وهذا النوع من البيان لتصريف القول ، وقد ذكر طبيعة إبليس الفاسدة بأنه سيجعل ذلك الذي كرمه تعالى عليه الهلاك ، لذريته إلا قليلا ، وهذا من غرور إبليس ، ومن يسكن الشيطان قلوبهم ، وهذا كقوله : وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) [ الحجر : 39 ، 40 ] . ونلاحظ أن دخول الاستفهام على رأى ، مع وجود ضميري خطاب في جملة واحدة أو على قول الزمخشري ضمير خطاب وحرف خطاب - هو استعمال قرآني ، لا أعرف أن العرب قد استعملوه كثيرا قبل القرآن ، وفيه من معاني الاستنكار أو التنبه أو التعجب في أبلغ صور ، وأن هذا من سر الإعجاز ، ودليل على أن القرآن لم يكن علمه البياني عند العرب من قبله . 98 - والاستفهام أحيانا يكون للتسوية بين أمرين ، ويكون هذا لبيان وحدة النتيجة والغاية مثل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) [ البقرة : 6 ] ، وإن أداة الاستفهام في هذه ليست للاستفهام الحقيقي ،